كريم نجيب الأغر
435
إعجاز القرآن في ما تخفيه الأرحام
* قال اللّه تعالى : وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ . . . [ البقرة : 233 ] . * قال اللّه تعالى : فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرى [ الطلاق : 6 ] . وتفضيل رضاعة الأم على الرضاعة من النساء الأخريات ينبع من أن اللبن الإنساني يختلف بين امرأة وأخرى « 1 » ، وهذا الاختلاف شأنه أن يكون مناسبا لحاجات الرضيع ، وبالتالي فإن ثدي الأم هو الكفيل الوحيد لرضاعة متكاملة . وهناك جانب آخر يضاف إلى الجانب الكيميائي قلّما يتحدث عنه الناس ، وهو الجانب العاطفي للرضاعة ، فمن العوامل التي تساعد على النمو السليم للطفل العامل السيكولوجي ( النفساني ) ، فهذا من شأنه أن يساعد على التوازن العاطفي لدى الطفل ، وبالتالي على نموه بنحو أفضل . والحديث التالي يلقي الضوء على هذا الأمر : « عن محمد بن كعب القرظي أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم دخل على أسماء بنت أبي بكر الصديق حين ولد عبد اللّه بن الزبير ، فقال : أهو هو ؟ أهو هو ؟ فقيل : يا رسول اللّه : إن أسماء تركت رضاع عبد اللّه لما سمعتك تقول : أهو هو ، فقال : أرضعيه ولو بماء عينيك . . . » [ أخرجه ابن عساكر ح 95 ] . والرضاعة من ماء العين متعذرة ، وذلك لقلّة ماء العين وصعوبة التقاطه ، ناهيك أن هذا الماء مالح ولا يتلذذ به الطفل . لذا يتوجب علينا أن لا نأخذ بظاهر الحديث ، وأن نفسّره وفق الأدلّة اللغوية والعقلية . وصياغة الحديث جاءت بصيغة المبالغة : « ولو . . . » . وهذا يعني أن الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم يحثّ السيدة أسماء على إرضاع الصحابي عبد اللّه بن الزبير رضي اللّه عنهم حتى ولو اقتضى الأمر بوضعه على صدرها فقط . فالرضاعة من ثديها ، والالتصاق الجسدي ، وما يتبعه من نظرات متبادلة ، يوطّد العلاقة بين الأم وطفلها فتشعر الأم بالسرور ويشعر الطفل بالطمأنينة . فمن معاني « لو » : أن تكون للتقليل كما في « الجنى الداني في حروف
--> ( 1 ) كتاب ( تغذية الطفل : الأساس الفيزيولوجي ، منظمة الصحة العالمية INFANT FEEDING , THE PHYSIOLOGICAL BASIS , WHO ) ، ص 25 بتصرف .